فخر الدين الرازي
193
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وهو مناسب فإن من عمل لسيد كريم عملا ، فعند فراغه من العمل لا بد من أن ينعم عليه إنعاما ويطعمه طعاما ، ووصف الرزق بالكريم قد ذكرنا أنه بمعنى ذي كرم أو مكرم ، أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا ، فإنه ما لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي ، وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : قوله : أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون لهم ذلك جزاء فيوصله إليهم لقوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وثانيهما : أن يكون ذلك لهم واللّه يجزيهم بشيء آخر لأن قوله : أُولئِكَ لَهُمْ جملة تامة اسمية ، وقوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا جملة فعلية مستقلة ، وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل . ليجزي الذين آمنوا رزقا . المسألة الثانية : اللام في ليجزي للتعليل ، معناه الآخرة للجزاء ، فإن قال قائل : فما وجه المناسبة ؟ فنقول : اللّه تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه فجعل للمكلف دارا باقية ليكون ثوابه وأصلا إليه دائما أبدا ، وجعل قبلها دارا فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون / فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه في نفسه . المسألة الثالثة : ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هي للمؤمنين والرزق منه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور ، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 5 ] وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 5 ) لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين ، وقوله : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي بالإبطال ، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا وحينئذ يكون هذا في مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى : آمَنُوا معناه صدقوا وهذا معناه كذبوا فإن قيل من أين علم كون سعيهم في الإبطال مع أن المذكور مطلق السعي ؟ فنقول فهم من قوله تعالى : مُعاجِزِينَ وذلك لأنه حال معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون الساعي معاجزا لأن القرآن وآيات اللّه معجزة في نفسها لا حاجة لها إلى أحد ، وأما المكذب فهو آت بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به ، وقيل بأن المراد من قوله : مُعاجِزِينَ أي ظانين أنهم يفوتون اللّه ، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعيا بالباطل في غاية الظهور ، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق ، وفي الآية لطائف الأولى : قال هاهنا : لَهُمْ عَذابٌ ولم يقل يجزيهم اللّه ، وقد تقدم القول منا أن قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يحتمل أن يكون اللّه يجزيهم بشيء آخر ، وقوله : أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ إخبار عن مستحقهم المعد لهم ، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظرا إلى قوله : لِيَجْزِيَ وهاهنا لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك الثانية : قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وهاهنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم ، والجواب تقدم في مثله الثالثة : قال هناك : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ولم يقلله بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق ن جنس كريم ، وقال هاهنا : لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب ، وعلى هذا ( من ) لبيان الجنس كقول القائل خاتم من فضة ، وفي الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع